الشيخ محمد رشيد رضا

433

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عن الوعيد غير متذكر للنهي ، وإذا تذكره يكون ضعيفا كنور ضئيل يلوح في ظلمة ذلك الباعث المتغلب ، ثم لا يلبث أن يزول أو يختفى . فإذا سكنت شهوته أو سكت عنه غضبه وتذكر النهى والوعيد ندم وتاب ، ووقع من نفسه في أشد اللوم والعتاب ، وذلك ضرب من ضروب العقاب ، وصاحبه جدير بالنجاة في يوم المآب الحالة الثانية ) أن يقدم المرء على الذنب جريئا عليه متعمدا ارتكابه عالما بتحريمه مؤثرا له على الطاعة بتركه لا يصرفه عنه تذكر النهى والوعيد عليه ، فهذا هو الذي قد أحاطت به خطيئته حتى آثر طاعة شهوته على طاعة اللّه ورسوله فصدق عليه قوله تعالى ( 2 : 80 بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) فراجع تفسير هذه الآية في الجزء الأول من التفسير ربما يقول قائل : إننا نرى كثيرا من أفراد هذا الصنف مع تلبسهم بهذه الحالة يطمعون في عفو اللّه ومغفرته ، وذلك دليل الايمان المنجى . والجواب عن هذا : أن من يصر على معصيته تعالى عامدا عالما بنهيه ووعيده لا يكون مؤمنا بصدق خبره ولا مذعنا لشرعه الذي تنال رحمته ورضاه بالتزامه ، وعذابه وبأسه باعتداء حدوده ، فيكون إذا مستهزءا به ، فالاصرار على العصيان مع عدم استشعار الخوف والندم لا يجتمع مع الايمان الصحيح بعظمة اللّه وصدقه في وعده ووعيده . وبهذا الذي قررته يكون الخلاف لفظيا لا حقيقيا أقول : هذا بسط ما قرره في تفسير هذه الآية على الطريقة المشهورة وإذا تذكر القارئ طريقتنا في مثل هذه المسألة التي أجازها الأستاذ الامام - إذ بسطناها في التفسير وفي باب الفتاوى من المنار - فإنه يزداد علما وبينة في هذا المقام . وأعنى بهذه الطريقة تأثير الذنوب والخطايا في النفس إلى أن لا يبقى للايمان سلطان عليها ، وسنعيد القول فيه قريبا في تفسير « إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ » الخ وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ قال الأستاذ الامام : أراد تعالى بالعذاب المهين عذاب الروح بالإهانة ، يعنى رحمه اللّه أن بدن هذا العاصي يعذب في النار من حيث هو « تفسير النساء » « 28 رابع » « س 4 ج 4 »